سيد قطب
2333
في ظلال القرآن
« وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى » . . ووضع موسى يده تحت إبطه . . والسياق يختار للإبط والذراع صورة الجناح لما فيها من رفرفة وطلاقة وخفة في هذا الموقف المجنح الطليق من ربقة الأرض وثقلة الجسم لتخرج بيضاء لا عن مرض أو آفة . ولكن : « آيَةً أُخْرى » مع آية العصا . « لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى » فتشهد وقوعها بنفسك تحت بصرك وحسك . فتطمئن للنهوض بالتبعة الكبرى : « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى » . . وإلى هنا لم يكن موسى يعلم أنه منتدب لهذه المهمة الضخمة . . وإنه ليعرف من هو فرعون : فقد ربي في قصره . وشهد طغيانه وجبروته . وشاهد ما يصبه على قومه من عذاب ونكال . . وهو اللحظة في حضرة ربه . يحس الرضى والتكريم والحفاوة . فليسأله كل ما يطمئنه على مواجهة هذه المهمة العسيرة ؛ ويكفل له الاستقامة على طريق الرسالة : « قالَ : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي . وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي . وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي . وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً . إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً » . . لقد طلب إلى ربه أن يشرح له صدره . . وانشراح الصدر يحول مشقة التكليف إلى متعة ، ويحيل عناءه لذة ؛ ويجعله دافعا للحياة لا عبئا يثقل خطى الحياة . وطلب إلى ربه أن ييسر له أمره . . وتيسير اللّه لعباده هو ضمان النجاح . وإلا فما ذا يملك الإنسان بدون هذا التيسير ؟ ما ذا يملك وقواه محدودة وعلمه قاصر والطريق طويل وشائك ومجهول ؟ ! . وطلب إلى ربه أن يحل عقدة لسانه فيفقهوا قوله . . وقد روي أنه كانت بلسانه حبسة والأرجح أن هذا هو الذي عناه . ويؤيده ما ورد في سورة أخرى من قوله : « وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً » . وقد دعا ربه في أول الأمر دعاء شاملا بشرح الصدر وتيسير الأمر . ثم أخذ يحدد ويفصل بعض ما يعينه على أمره وييسر له تمامه . وطلب أن يعينه اللّه بمعين من أهله . هارون أخيه . فهو يعلم عنه فصاحة اللسان وثبات الجنان وهدوء الأعصاب ، وكان موسى - عليه السلام - انفعاليا حاد الطبع سريع الانفعال . فطلب إلى ربه أن يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه . والأمر الجليل الذي هو مقدم عليه يحتاج إلى التسبيح الكثير والذكر الكثير والاتصال الكثير . فموسى - عليه السلام - يطلب أن يشرح اللّه صدره وييسر له أمره ويحل عقدة من لسانه ويعينه بوزير من أهله . . كل أولئك لا ليواجه المهمة مباشرة ؛ ولكن ليتخذ ذلك كله مساعدا له ولأخيه على التسبيح الكثير والذكر الكثير والتلقي الكثير من السميع البصير . . « إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً » . . تعرف حالنا وتطلع على ضعفنا وقصورنا وتعلم حاجتنا إلى العون والتدبير . . لقد أطال موسى سؤله ، وبسط حاجته ، وكشف عن ضعفه ، وطلب العون والتيسير والاتصال الكثير . وربه يسمع له ، وهو ضعيف في حضرته ، ناداه وناجاه . فها هو ذا الكريم المنان لا يخجل ضيفه ، ولا يرد سائله ، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة : « قالَ : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى » :